الاخبار

جدل نقابى عقب توقيع برنامج العمل اللائق بين الحكومة المصرية ومنظمة العمل

2017-08-26

 

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر- أثار موضوع توقيع الحكومة المصرية مع منظمة العمل الدولية مشروع العمل اللائق جدلا واسعا داخل اوساط الحركة النقابية المستقلة ، خاصة عقب استخدام المسئولين الحكوميين المصريين لذلك المشروع والتصريخ بأنه دلالة هامة على تحسن حالة الحريات النقابية فى مصر ، بل وصل الأمر الى القول بأنه شهادة من قبل منظمة العمل الدولية بذلك ، وهو ما يتناقض مع وضع مصر على قائمة الحالات الفردية القصيرة الأجل المنتهكة لحقوق العمال فى مؤتمر العمل الأخير ، خاصة الإتفاقية رقم 87 الخاصة بالحربات النقابية والحق فى التنظيم ..

وعلى اثر توقيع الحكومة المصرية لمشروع العمل اللائق قامت شركة ديزنى لاند العالمية والتى كانت قد اوقفت وارداتها منذ بداية العام 2017 من 30 شركة مصرية تعمل فى قطاع المنسوجات والملابس الجاهزة اعتراضا على حالة الحريات النقابية فى مصر، وكان قد تردد حينها استخدام الحركة النقابية المصرية لذلك الضغط الدولى بهدف اجبار الحكومة المصرية على اصدار قانون للنقابات يتوافق مع المعايير الدولية ويسمح للحركة النقابية المستقلة بالتواجد والعمل بحرية ، حيث قامت الشركة بإعادة وارداتها بدءا من شهر اغسطس الجارى استنادا على توقيع المنظمة لمشروع العمل اللائق ، مما اعطى مؤشر عن تخلى منظمة العمل الدولية عن دورها كظهير مهم للحركة النقابية المستقلة  فى معركتها من اجل اصدار قانون الحريات النقابية .. خاصة بعد تناول وسائل الاعلام المصرية للموضوع وكانه انتصار لخندق اتحاد عمال نقابات مصر ( الإتحاد الحكومى ) على خندق الحركة النقابية المستقلة !!

تساؤلات عديدة حفلت بها الساحة النقابية المصرية حاولنا فى هذا التحقيق التوصل لإجابات عليها بهدف وضع النقاط فوق الحروف ..

 

تساؤلات مشروعة

فى البداية ينفى بيتر فان غوي مدير المكتب الإقليمى لمنظمة العمل الدولية فى القاهرة مسؤلية المنظمة عما يتم نشره فى وسائل الإعلام المصرية ، مشيرا الى جهل الكثيرين بألية عمل منظمة العمل الدولية ..  مضيفا أن مشروع العمل اللائق تم توقيعه فى مصر كمشروع تجريبى لمدة ستة اشهر ، وان هناك لجنة من المنظمة مسئولة عن المشروع ستتابع اليات عمل المشروع ومدى التقدم للوصول الى علاقات عمل عادلة فى الشركات الثلاثين التى تنضوى تحت لواء المشروع ، تقدم اللجنة الدعم اللازم لاطراف العملية الانتاجية لخلق مناخ لعلاقات عمل تتوافق مع المعاييير الدولية .. اضافة الى ان مشروع العمل اللائق لا علاقة له من قريب او بعيد  بوضع مصر على قائمة الحالات الفردية القصيرة الأجل فى مؤتمر العمل الاخير ، حيث ان ذلك هو مسؤولية لجنة المعايير بالمنظمة والتى أخذت وعود من الحكومة المصرية بإصدار قانون للنقابات متوافق مع الإتفاقيات الدولية ، ولجنة الخبراء هى من تتابع ذلك الملف وهى من بيدها القول بأن هناك تقدم فى حالة الحريات النقابية  فى مصر من عدمه .. وان كنت ارى ان مجرد اخذ وعود هو دليل على ان التفاوض ما زال قائما وذلك مؤشر جيد !!.. حيث  يشكل برنامج العمل اللائق شراكة فريدة بين منظمة العمل الدولية ومؤسسة التمويل الدولية، وهى عضو فى مجموعة البنك الدولى وهو برنامج شامل لتوفير حياة أفضل للعمال، وزيادة الربحية للشركات ، يعمل البرنامج  فى حوالى 30 شركة مصرية خاصة فى قطاع تصدير الملابس الجاهزة من يوليو إلى ديسمبر 2017 ، ورؤيتنا فى هذا البرنامج هى دعم صناعة الملابس التى تدعم الملايين من الناس من خلال توفير العمل اللائق، وتمكين المرأة، وتعزيز النمو الاقتصادى الشامل ..

يضيف بيتر مؤكدا ان فترة الستة اشهر التجريبية للمشروع من الممكن ان تكون وسيلة ضغط اضافية لإحراز تقدم فى حالة الحريات النقابية فى مصر ، لانه بنهاية الستة اشهر سيتم تقييم التجربة وعلى هذا الاساس سيتخذ القرار بالاستمرار فى المشروع او وقف العمل به ، ومن مصلحة الحكومة المصرية الإستمرار لأن ذلك سينعكس على حجم الإستثمارات الاجنبية فى مصر ..

سعد شعبان رئيس اتحاد عمال مصر الديمقراطى – أحد اهم الإتحادات المستقلة فى مصر – يقول : فى البداية يجب ان نؤكد على ان الفاعل الأساسى فى معركة انتزاع حق العمال فى انشاء نقاباتهم بحرية واستقلالية هم  العمال انفسهم ، وقوة الحركة النقابية على ارض الواقع والتى تجاوز عددها حتى الان أكثر من 1800 نقابة مستقلة ، وان كنا لا نستطيع ان ننفى اهمية الضغط الدولى والمساندة من قبل منظمة العمل الدولية التى تقوم بأدوار هامة اقلها فتح الحوار والتفاوض مع الحكومة المصرية بهدف تحقيق تقدم فى حالة الحريات النقابية فى مصر ..  وان كانت التساؤلات التى طرحها العمال عقب توقيع مشروع العمل اللائق فى مصر هى تساؤلات مشروعة ، خاصة وان الاعلام المصرى تناول الموضوع مدللا به على ان ذلك شهادة بإحراز تقدم فى حالة الحريات النقابية فى مصر ، وهو ما ينفيه الواقع العمالى والنقابى على الساحة المصرية ، حيث ان العمال ما زالوا يعانون اشد المعاناة والانتهاكات ما زالت مستمرة فى حق النقابات المستقلة ، ومشروع القانون التى وعدت الحكومة بإصداره فى اكتوبر القادم ما زال هناك خلافات عديدة حول مواده ، خاصة المادة الثانية التى تنزع حق الوجود من النقابات المستقلة ، والتى لم ناخذ حتى وعد بتغييرها بما يضمن الحفاظ القانونى على وجود النقابات المستقلة .. وممارسات تشويه الحركة النقابية المستقلة ما زالت قائمة من قبل اتحاد العمال الحكومى ، الذى استغل توقيع مشروع العمل اللائق فى مصر ليدلل به عن تخلى منظمة العمل الدولية عن الحركة النقابية المستقلة ..

نحن كاتحاد عمال مصر الديمقراطى ( الكلام لشعبان ) عضوا فى لجنة المشروع ولدينا العديد من التحفظات ابرزها اختيار شركات لا يوجد بها اصلا لجان نقابية ، فهل سيسمح للحركة النقابية المستقلة بإنشاء نقابات مستقلة داخل تلك الشركات فى الوقت الذى ترفض فيه وزارة القوى العاملة قبول اى اوراق جديدة لنقابات جديدة ، واوضاع العمالة  فى تلك الشركات من اسوء الأشكال المتعارف عليها ، وهو ما سنقوله للجنة حين اجتماعنا بها ، لكن لو كان المشروع سيعمل على تحسين شروط العمل فى تلك الشركات فبالتأكيد نحن لا نرفض ذلك !!

أداء وظيفى عقيم

بينما تؤكد رحمة رفعت مسئول برنامج الحملات فى دار الخدمات النقابية والعمالية عدم ارتباط مشروع العمل اللائق بقرار لجنة الحريات النقابية بمنظمة العمل الدولية ،  إلا انها تشير بوضوح الى أن توجهات مكتب القاهرة فى الاونة الأخيرة تميل الى التعامل مع الحكومة المصرية واتحاد عمال نقابات مصر ( الاتحاد الحكومى ) غير مهتمة بتأثيرات ذلك على معركة النقابات المستقلة !!

تضيف رحمة رفعت : الأداء داخل مكتب المنظمة أقرب الى الأداء الوظيفى العقيم منه الى التأثير الفعال ، بإستثناء بعض التدريبات التى تقيمها المنظمة لأعضاء وعضوات النقابات المستقلة ، فمن الواضح ان تنفيذ البرامج حتى لو كان ورقيا هو الذى يشغل المسئولين بمكتب المنظمة بالقاهرة .. وان كنت ارى ان تنفيذ مشروع العمل اللائق فى مصر هو امر جيد خاصة ان كان يهدف الى الوصول لعلاقات عمل عادلة داخل الشركات التى يشملها المشروع ، وان كنت غير متفائلة خاصة وان هناك اشكالية انشاء لجان نقابية داخل تلك الشركات ، فهل سيسمح اصحاب العمل لللحركة النقابية المستقلة بعمل ذلك داخل شركاتهم ، ام سيلجأون للاتحاد الحكومى لعمل نقابات ورقية لا علاقة لها بفكرة النقابات من الاساس ، وبالتالى يكون الطرف العمالى داخل تلك الشركات طرف يتم احتواءه من قبل ادرارات الشركات !!

ولا ينفى د/ أحمد حسن البرعى وزير القوى العاملة الأسبق والخبير السابق فى منظمة العمل الدولية أن عودة واردات شركة ديزنى التى تبلغ 250 مليون دولار سنويا بناء على توقيع مشروع العمل اللائق لها دلاله ما ، حيث ان وقف الشركة لوارداتها بداية عام 2017 كان له دلالة عدم احترام الحكومة المصرية للحريات بشكل عام وفى القلب منها الحريات النقابية .. إلا انى ارى ( الكلام للبرعى ) أن الموضوع اكبر من صادرات شركة ديزنة لاند ، لأن المخاطر التي من المفترض أنها تترتب علي وضع الحكومة المصرية على قائمة الحالات الفردية قد تصل الى عدم الاستمرار في اتفاقية الجات (منظمة التجارة العالمية) إلا إذا التزمت الدول الأعضاء بالشروط الاجتماعية وحقوق العمال في تطبيق معايير العمل والاتفاقيات الدولية، وانه خلال كاس العالم الماضية رفضت الفيفا استيراد الكرات من الفلبين لأنها دولة تنتهك معايير العمل وموجودة في القائمة الفردية.. اتفاقية الجات أُعدت من أجل التجارة الحرة، كى تكون وفق شروط شريفة، وهى اتفاقية قديمة كانت بين الدول الصناعية، وقاموا بتعميمها على العالم كله، لأنه حينها كانت قد ظهرت البلاد الآسيوية، التى نسميها النمور الآسيوية، والتى استطاعت أن تأخذ من أوروبا وأمريكا 35% من التجارة الدولية، فبدأوا يتساءلون كيف استطاعت هذه البلاد المنافسة، واتضح أنها لم تستطع المنافسة سوى لأن أسعارها منخفضة عن أسعار الدول الكبيرة، واكتشفوا أن سبب هذه الأسعار المنخفضة أنهم يضغطون على عنصر العمل ، وتسمى هذه الحالة بالعامل الاجتماعى، ومن ثم قالوا إنه لضمان حرية التجارة والمنافسة الحقيقية لا بد أن يكون الشرط الاجتماعى مرتبطاً بها، فكان الاقتراح الأمريكى أنه إذا كانت هناك مخالفات فى حقوق العمال، منظمة العمل الدولية ترصدها، وتحيلها إلى منظمة التجارة العالمية ..

إستمرار الإنتهاكات

وبعيدا عن هذا الجدل الدائر تأتى الإجابات الحاسمة حول تحسن حالة الحريات النقابية من ارض الواقع  العمالى التى تؤكد على استمرار الإنتهاكات العمالية ، فما زالت الإضرابات العمالية يتكرر قمعها، والقيادات العمالية تحال إلى التحقيق والمحاكمة كما لم يحدث من قبل، والحق فى الإضراب يحاصر بحملة مضادة تجعل منه مرادفاً للفوضى وعدم الاستقرار، وها هو الحق فى تكوين النقابات المستقلة تتم مصادرته من جديد بإستمرار رفض وزارة القوى العاملة قبول اى اوراق لنقابات جديدة ..

وما زالت الإدارات الحكومية تتدخل مباشرة ضد النقابات المستقلة وتمارس ضغوطها على العمال للانسحاب منها والانضمام إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر- الذراع النقابية للنظام-، فتاوى وقرارات وتعليمات إدارية بعدم شرعية النقابات المستقلة، وتحريض مباشر من بعض الجهات الحكومية ورجالات المؤسسة النقابية الرسميةعلى النقابات الأكثر حيوية، والتنكيل بقياداتها وأعضائها، وفصلهم عن العمل وقطع أرزاقهم، في غياب تام لأي حماية قانونية عن هؤلاء، وذلك استنادًا على عدم شرعية نقاباتهم المستقلة وفقاً للقانون رقم 35 لسنة 1976 ..

أبرز الأمثلة على ذلك النقابة العامة للعاملين بالضرائب العقارية، والنقابة العامة للعاملين بالشركة المصرية للاتصالات، ونقابة العاملين بالتموين، فوجئوا بخطابات من إدارات الهيئات التابعين لها تطلب إليهم وقف أنشطتهم وإخلاء مقراتهم، كما بادرت إدارة هيئة النقل العام إلى وقف تحصيل الاشتراكات من العاملين-التى كان يتم تحصيلها من رواتبهم لحساب النقابة المستقلة بناءً على موافقتهم، وقامت الهيئة العامة لتعليم الكبار بنقل رئيس نقابة العاملين بالهيئة العامة لتعليم الكبار وأحد أعضاء مجلسها التنفيذى، ووقف جميع أنشطتها النقابية، بل وصل الأمر إلى حد مطالبة النقابة برد اشتراكات العاملين التى سبق تحصيلها منهم بموافقتهم وكامل إرادتهم.

وعلى مدار الشهور الست الماضية، واستكمالًا لمسلسل الاضطهاد والتنكيل بالقيادات العمالية المطالبة بحقوقها المشروعة، أحيل العشرات من القيادات العمالية والنقابية إلى المحاكمة، وقضى البعض منهم شهوراً خلف القضبان، وفُصل العشرات من النقابيين وممثلى العمال بمعدل لم تشهده الحركة من قبل، عمال يفصلون على الهوية النقابية المستقلة، ونقابات تم فصل أعضاء مجالسها بالكامل. ولا تزال قضايا عمال النقل العام وإفكو والترسانة البحرية مفتوحة، هذا بخلاف القبض على قيادات عمالية فى الشركة المصرية للاتصالات والتحقيق معهم على مدار يومين قبل أن يتم الإفراج عنهم على ذمة قضية جديدة..

وبسبب هذه الممارسات فقد العشرات عملهم ومورد رزقهم الوحيد لممارستهم حقوقهم الديمقراطية المشروعة، بينما تُحجب الحماية القانونية عن هؤلاء استنادًا على عدم شرعية نقاباتهم وفقاً للقانون رقم 35 لسنة 1976 سيئ السمعة.