الاخبار

معاقو اليمن .. كفاح من أجل التمكين

2017-05-03

أشرف الريفي- عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

اليمن_بقدم واحدة ومؤهل جامعي متميز، لم يتمكن الشاب مختار أحمد من الحصول على حقه في العمل رغم حصوله على درجة وظيفية مستحقة من وزارة الخدمة المدنية بصنعاء.

ومطلع العام 2014 لم تكتمل  فرحة مختار بالحصول على وظيفة في الهيئة العامة للطيران المدني بصنعاء، عندما صدم برفض المسؤولين هناك قبوله للعمل في الهيئة لكونه معاقا.

يقول الشاب العشريني في حديثه لـ (  شبكة الإعلاميين النقابيين العرب  ) رفضت الشؤون الادارية منحي مباشرةعمل وطلبوا مني العودة الى وزارة الخدمة المدنية لتوزيعي في مكان اخر غير مكتب الهيئة.

 ويضيف بمرارة لم ينظروا الى شهادتي الجامعية ومؤهلي، ولم يناقشوني فيهما، بل نظروا الى اعاقتي التي كانت سببا كافيا من وجهة نظرهم لرفض عملي هناك..

قصة مختار نموذج مصغر لواقع اجتماعي في اليمن لا يزال يتعامل مع الاعاقة كوصمة تلاحق هؤلاء في سوق العمل حتى وان كان ذوي الاعاقة ذوو كفاءة وقدرة ايضا.

كل صباح يذهب عبد القوي الحاج إلى عمله في احد المكاتب الحكومية بالعاصمة صنعاء للعمل في المجال الفني كطباع ماهر  متحديا اعاقته السمعية.

عبدالقوي الرسام المرهف والطباع المائز حسب زملائه تعرض  لحادث مروري افقده سمعه وسبب له مشاكل في الدماغ، لكنه لم يستسلم لذلك واستمر في عمله بشكل يومي ويتفنن وهو يظهر مهاراته كخطاط بارع يجمل الكلمات بحبره.

يصفه زملائه بالمنضبط والملتزم في عمله ، ويرى هو أن مثابرته في عمله من أجل اثبات قدرته على التغلب على اعاقته و قدرته على العطاء ، والسعي ليعيش حياته بشكل طبيعي كما كان يعيشها من قبل، لكنه رغم جهده لإثبات ان الاعاقة ليست عائقا امام تميزه في العمل يشعر بنظرة بعض زملائه ومسئوليه تجاهه بنوع من التعاطف والشفقة.

يعيل عبدالقوي اسرة كبيرة مكونة من ستة اشخاص ولذلك فهو يعمل احيانا عصرا  (فترة ثانية)كطباع في مقر حزب سياسي بهدف تحسين دخله.

يقول عبدالقوي أن لا شيء يقهره او يحد من طموحه بأن يكون شخصا منتجا وفاعلا في مجتمعه فبإرادته ومهاراته سيقهر المستحيل.

وحسب تقديرات دولية فأن عدد المعاقين في اليمن تقدر بثلاثة ملايين وسبعمائة شخص في بلد يتجاوز عدده سكانه الــ 25مليون نسمة، وهذا العدد الكبير من  المعاقين غير مستوعبين في سوق العمل لأسباب عديدة نكشف عنها الغطاء في هذه التناول

 

الوضع القانوني

تتضمن القوانين اليمنية تخصيص 5% من الوظائف السنوية للمعاقين حيث ينص قانون الخدمة المدنية رقم (19) لسنة 1991م الحق للمعاقين في الحصول على فرصة عمل تتناسب وقدراتهم وفقاً لنص المادة (24) منه على أن ( تلتزم كل وحدة إدارية بتعيين المعوقين لديها بما يتناسب مع قدراتهم ضمن نسبة معينة تحددها الوزارة سنوياً وذلك بهدف تحقيق إدماجهم في المجتمعومشاركتهم في التنمية الاجتماعية)...

وحددت اللائحة التنفيذية للقانون النسبة الواجب تخصيصها لاستيعاب المعاقين وفقاً لنص المادة (49) منها (التزام كل وحدة إدارية بتعيين المعاقين جسدياً لديها في وظائف تتناسب وقدراتهم في حدود نسبة معينة تحددها الوزارة سنوياً بحيث لا تزيد عن (5%) من إجمالي القوى الوظيفية مع الأخذ في الاعتبار حالة المعاق عند تحديد الوظيفة وموقع العمل)...

و جاء القانون رقم (61) لسنة 1999م بشأن رعاية وتأهيل المعاقين حيث نصت المادة (15) منه في الفقرة (أ) على أن (يخصص للمعاقين الحاصلين على شهادة تأهيل نسبة (5%) من مجموع الوظائف الشاغرة بالجهاز الإداري للدولة ووحدات القطاعين العام والمختلط ويجوز لهذه الجهات استخدام المعاقين بدون ترشيح من مكاتب الخدمة المدنية وتحسب التعيينات من النسبة المنصوص عليها في هذه المادة)..

الكوتا بين الايجابية والسلبية:

الكوتا التي حددها القانون بـ 5% من الوظائف الحكومية السنوية للمعاقين أعتبرها البعض تمييز ايجابي كون هناك الكثير من جهات العمل لا تتعامل مع مهارات وكفاءات المعاقين بل تتعامل معه كمعاق فقط، فيما يرى آخرين  انها تمييز سلبي لان منح الوظيفة للمعاق ليس لكفاءته وإنما تقديرا لإعاقته من جانب انساني فقط.

الرأي الاول تدعمه ممارسات تمييزية كثيرة شكا منها معاقون  يتعرضون لها في اماكن العمل بسبب اعاقتهم، فيما يرى من ينظرون لهذه القضية كتمييز سلبي ان التأهيل مهم لطالبي التوظيف من الاشخاص ذوي الاعاقة

سوق العمل لا يستجيب لهم:

يقول رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات المعاقين عثمان الصلوي أن هناك الكثير من الاشكاليات التي تواجه ذوي الاعاقة في اليمن منها أن الكثير من ارباب العمل لم يقبلوا بالأشخاص ذوي الاعاقة بشكل كامل في القطاعات العامة والخاصة  ، ولم يمكنوهم من العمل.

قانون العمل اليمني يخصص 5% منالوظائف العامة الحكومية السنوية لذوي الإعاقة حسب الصلوي في حديثه لـ (شبكة الإعلاميين النقابيين العرب) لكن ما ينفذ منها هو 80% ولايزالون في الاتحاد يتابعون تنفيذ الـ 20 % ليحصل المعاقين على حقهم في التوظيف.

ويوضح الصلوي أن من الاسباب الحائلة دون تنفيذ نسبة الـ 5% في التوظيف كاملة عدم استجابة بعض الجهات الحكومية لطلبات التوظيف والموظفين من ذوي الاعاقة. رغم أن البعض ينتج ويتميز في مجال عمله وهناك نماذج كثيرة مشرفة لإثبات الذات، واستطاع الكثيرون منهم الانخراط في مختلف الوظائف والمهن بدءا من العمل بالتدريس والتوجيه والارشاد وانتهاء بشغل كرسي الاستاذية في الجامعات.

وبحسرة يتحدث الصلوي عن عدم تقبل القطاع الخاص للأشخاص ذوي الاعاقة  بشكل كبير ولاتزال النظرة لديهم قاصرة تجاه المعاق، مشددا على ضرورة قبولهم وتمكينهم في الاعمال في القطاع الخاص كجزء من المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص تجاه الاشخاص ذوي الاعاقة.

عادة ما تطالب جمعيات الاشخاص ذوي الاعاقة ان يتضمن قانون العمل اليمني الخاص بتوظيف المعاقين الزاما للقطاع الخاص ايضا بنسبة الـ 5%، وتمكين هذه الشريحة من الاستفادة من برامج الإقراض الصغير، بالإضافة الى ادراجمن لا يتمكنون من الاستفادة من برامج التأهيل والعمل تحت مظلة الضمان الاجتماعي في سبيل الحد من العنف والتمييز الذي يتعرض له المعاق وكسر طوق العزلة المضروب عليه بسبب النظرة الاجتماعية القاصرة.

وحول الجهود المبذولة لدمج الاشخاص ذوي الاعاقة في سوق العمل قال الصلوي انهم يسعون لان يكون التأهيل في اطار المجتمع من خلال التأهيل المجتمعي ،بالإضافة إلى ما تقوم به كثير من المؤسسات في اطار التأهيل تعليميا ومهنيا لدمجهم في سوق العمل . موضحا أن هناك جمعيات تقوم بمهام التأهيل بشكل فاعل لكن ظروف الحرب اوقفت عمل الكثير من هذه الجمعيات .

ودعا ارباب العمل إلى حماية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة في العمل واعطائهم حقوقهم الكاملة دون انتقاص كون القانون والتشريعات تنص على منح حقوقهم كاملة.

معاناة المعاقين زادت بشكل كبير في ظل ظروف الحرب الراهنة كما يرى رئيس الاتحاد الوطني لجمعيات المعاقين  الذي اوضح أن حوالي 13 الف معاق موظف في جهاز الدولة لم يحصلوا على رواتبهم ، وقرابة 150 الف معاق حرموا من الضمان الاجتماعي الذي كانت الدولة تقدمه لهم كمساعدة،  ناهيك عن اثنين مليون وخمسمائة الف معاق  يعانون من الجوع وبحاجة الى الغذاء والعلاجالكامل،  واكثر من 17 الف معاق نازح في جميع محافظات الجمهورية يعيشون اوضاعا غاية في الصعوبة .

ويطالب  الصلوي بإيقاف الحرب  ورفع الحصار  ليتمكن المعاقين من التمتع بحرية كاملة في الوطن ، كما جاء في الاتفاقية الدولية لحقوق الاشخاص ذوي الاعاقة بخصوص حماية هذه الشريحة في اوقات الحروب والكوارث، خصوصا والحروب انتجت كثير من المعاقين وبأعداد مرعبة قد تصل الى 56 الف معاق من كل الاطراف .

عوائق :

يشكو المعاقين في سوق العمل من عدم تأهيل البنية المؤسسية بما تتناسب مع وضعهم فكثير من مباني ومكاتب العملبلا مصاعد ، ناهيك أن الفضاء والممرات الخاصة بالمعاقين غير مؤهلة و وسائل النقل لا تتناسب ووضعهم. إضافة إلى التمييز في بيئة العمل بسبب إعاقتهم بعيدا عن مهاراتهم وكفاءتهم.

وتتحجج بعض جهات العمل الحكومية والخاصة في الاحجام عن توظيف ذوي الاعاقة بوجود شروط ومعايير خاصة للتوظيف لا تتوفر احيانا في المتقدمين للتوظيف ، الا ان كثير من الجمعيات لا تعتبر ذلك مبررا ، موضحة ان هناك برامج تأهيل كثيرة اهلت العديد من المعاقين ، ناهيك عن كثير من الكوادر التي تم تأهيلها في الجامعات وفي تخصصات مختلفة ولا يحضون بفرص عمل تتناسب ومؤهلاتهم .

وهو ما يقابل بطرح مختلف من بعض جهات العمل التي  تتحدث عن ضعف عملية التأهيل التي تشكل المدخل الأساسي لتوجيه المعاقين للالتحاق بالوظيفة العامة التي تتناسب وقدراتهم باعتبار أن شهادات الإعداد في مؤسسات التعليم العام لا يمكن أن تعطي مؤشرات على الوظيفة التي تتلاءم ونوعية الإعاقة المرتبطة بطالب العامل.

تأهيل مهني:

الواضح أن ابرز التبريرات لعدم تسهيل توظيف الاشخاص ذوي الاعاقة هو ضعف تأهيلهم ما جعلنا نناقش هذه الجزئية مع المدير التنفيذي لصندق رعاية وتأهيل المعاقين المهندس محمد عبدالله الديلمي الذي  تحدث عن ما يقوم به الصندوق لتأهيل الاشخاص ذوي الاعاقة في اليمن.

 يقول الديلمي: أن قضية تأهيل ذوي الاعاقة  تعد من ابرز الاهداف التي انشأ من اجلها الصندوق، فألى جانب رعايتهم صحيا يكون التأهيل هو الهدف الثاني والرئيسي. و يقدم الصندوق خدمة تأهيل ذوي الاعاقة على المستويين الفردي والمؤسسي، حيث يقوم على المستوى الفردي بتقديم منح دراسية مجانية لذوي الاعاقة تبدأ من التعليم الاساسي وتنتهي عند حصولهم على شهادة الدكتوراه، لقناعتنا بان تحصين ذوي الاعاقة وتأهيلهم بالعلم والشهادات العليا هو الضمان الاكبر لا دماجهم في المجتمع وتحويلهم الى كادر فاعل يسهمفي الانتاج والتنمية في البلد، ويجعل منه ذلك الفرد الذي يحظى باحترام وتقدير الجميع كما يحظى ايضا بفرص عمل مناسبة.

ويضيف الديلمي أن الصندوق يقدم ايضا منح مجانية لتعليم اللغة الانجليزية والحاسوب لتأهيل ذوي الاعاقة.

وعلى المستوى المؤسسي قال الديلمي: نحن نمول برامج التأهيل والتدريب التي تقدمها الجمعيات والمراكز العاملة مع الاشخاص ذوي الاعاقة في اليمن، بما في ذلك برامج تأهيل المعاقين على المهن اليدوية والابداعية  كالخياطة والتطريز للنساء، والمهن الحرفية الاخرى كالنجارة وغيرها للذكور من ذوي الاعاقة.

واضاف أنهم يطمحون الى الارتقاء بواقع ذوي الاعاقة في اليمن عبر تأهيلهم وضمان حصولهم على فرص عمل مناسبة في القطاعين العام والخاص، لان اعتماد المعاق على نفسه وكسب قوت يومه واسرته افضل الطرق لدمجه في المجتمع وتحويله الى عنصر فاعل في ادارة عملية التنمية والانتاج في البلد وهذا هو الهدف الذي يعملون عليه حسب الديلمي.

وتبقى قضية تمكين الاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من العمل معركة مستمرة بين ارادة المعاقين وحقهم في العمل، والجهات التوظيفية التي لم تستوعب بعد الضرورة المؤسسية والاجتماعية الملحة  لتمكين الاشخاص ذوي الإعاقة.