الاخبار

إجراءات تنظيم دخول السوريين الى لبنان: العمال رهينة الكُفلاء

2017-12-30

جميلة حدّاد/ بيروت

 

منذ نحو سنتين، حدّدت المديرية العامة للأمن العام اللبناني معايير جديدة لدخول السوريين إلى لبنان بعد أن كانت الحدود مفتوحة بين البلدين لسنوات طويلة بموجب اتفاقيات تاريخية تعترف بحرية التنقل من دون أي معوّقات أو تأشيرات. 

حينها، فرضت المُديرية على السوريين الوافدين الى لبنان شروطا للإقامة فيما منعت دخول اللاجئين منهم إلى الأراضي اللبنانية. أمّا الهدف فهو كان تخفيض أعداد اللاجئين في لبنان بأكبر قدر ممكن بعدما شكّل دخولهم بشكل مفتوح، على مرّ  5 سنوات (منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011) ضغطا على السلطات اللبنانية التي لم تتخّذ سياسة علمية وواقعية ترتقي ومُستوى إدارة الأزمة آنذاك.

 هذا القرار، قسّم السوريين الى ست فئات: السُياح ورجال الأعمال والمالكين، القادمون للدراسة في لبنان، القادمون للسفر (ترانزيت)، القادمون للعلاج، القادمون لمراجعة سفارة أجنبية، وأخيرا القادمون للدخول بموجب تعهّد مُسبق بالمسؤولية. هذه الفئة الأخيرة هي تلك التي لا تندرج ضمن التصنيفات الخمس المتبقية، وهي التي تشمل، حُكما، العُمّال السوريين.

وبات على جميع الفئات الخمس، بموجب القرار، إبراز المُستندات التي تُثبت الغرض من زيارتهم الى لبنان، في حين لا يُسمح للسوري الذي يندرج ضمن الفئة السادسة بالدخول الى الأراضي اللبنانية اذا لم يكن هناك مواطن لبناني يضمن دخوله، إقامته، سكنه ونشاطه، بموجب تعهّد بالمسؤولية، وفق ما يرد في نص القرار. ما لم يقله الأخير، هو أنه فرض ما يُشبه نظام كفالة على كل عامل سوري يدخل الى لبنان، بحيث يُصبح العامل السوري أسير كفيله اللبناني. 

هذا القرار أرسى واقعا جعل العمال السوريين عُرضةً للإستغلال من قبل مُشغليهم اللبنانيين من حيث الأجر وسوء المعاملة، حتى وصل الأمر الى بعض الكفلاء اللبنانيين بـ استعباد العاملين لديهم.

كان يعمل سيف (اسم مستعار)، مُحاسبا في إحدى الشركات في حلب. يقول أنه يملك خبرة لا تقل عن سبع سنوات. بعد الأزمة، اضطّر إلى الهروب إلى لبنان، حيث يُدير حاليا حسابات إحدى المعامل في منطقة البقاع (شمال لبنان). يتقاضى سيف نحو 400  دولار أميركي (أقلّ من الحد الأدنى للأجور في لبنان الذي يبلغ 450 دولار)، بدوامات عمل طويلة علما أنني أُدير جميع الحسابات، على حدّ تعبيره. يُشير الرجل الى أنه في كل مرة كان  يُطالب فيها  بتحسين الراتب نظرا لارتفاع الغلاء المعيشي في لبنان من جهة ونظرا لقيمة شهاداته وتحصيله العلمي من جهة أخرى كان يُجابه بإجابات من نوع إذا لم يُعجبك الراتب، أستطيع إلغاء الكفالة ولتعد الى بلدك المُدمّر!

تزداد هذه الصورة ظلامية عند الإنتقال الى الأعمال الأكثر هشاشة، أي في مجالات الزراعة والعتالة وخدمة المنازل. مثلا، يتقاضى سعيد (اسم مستعار أيضا) لقاء أعمال التنظيف الذي يقوم بها في إحدى البنايات التي يعمل فيها كناطور في ضاحية بيروت نحو 12 دولار أسبوعيا فقط! علما أنني أعمل أكثر من تسع ساعات يوميا!. حاله كحال الكثير من العمال السوريين الذين وقعوا ضحية استغلال الكفلاء اللبنانيين.

أمّا عن العاملات السوريات، فيتضاعف منسوب الإستغلال. الكثير من العاملات السوريات اللواتي يعملن في مجال الزراعة او التنظيفات يقعن ضحية التحرّش والإستغلال الجنسي من قبل أرباب أعمالهن وهو ما أثبتته الكثير من المُنظّمات اللبنانية غير الحكومية التي عملت مع اللاجئيين. يبرز في هذا الصدد شهادة سحر (اسم مُستعار) التي تعمل كعاملة تنظيف في إحدى مصانع السُكر في منطقة الجنوب. تقول اللاجئة التي هربت من نيران الحرب في حمص أن ربّ عملها طلب منها أن تدفع ثمن كفالتها، والثمن كان جسدي. وعندما رفضتُ، هدّدني بإلغاء كفالتي أو بإجباري على العمل بأجر مُتدنٍّ، علما انني لم أكن أتقاضى أكثر من 40 دولار أسبوعيا لقاء سبع ساعات عمل.

في شهر كانون الثاني من عام 2016، أصدرت منظمة هيومنرايتسووتش تقريرا بعنوان شروط الإقامة تعرّض اللاجئيين السوريين في لبنان للخطر. تمكّنت المنظمة خلال التقرير أن تُوثّق شهادات الكثير من اللاجئيين العاملين في لبنان. لعلّ أبرز شهادة توّصف الواقع تلك التي قالها أحد اللاجئين الذي يعيش في صيدا (جنوب لبنان) والذي يُخبر فيها كيف أُجبر على العمل أكثر من 12 ساعة يوميا يتخللها الكثير من الاستغلال وسوء المعاملة (راجع https://www.hrw.org/ar/news/ 2016/01/12/285110).

بعد قرار الأمن العام اللبناني، اتخذّت السلطات اللبنانية قرارات ساهمت في زيادة هشاشة العامل السوري. من  ضمن هذه القرارات، القرار الصادر عن وزراة العمل اللبنانية التي حصرت بعض الأعمال والمهن باللبنانيين فقط، ما دفع العمال السوريين الذين تم حصرهم  بـأعمال  الزراعة والبناء  إلى التحايل على القرار والحصول على رخصة عمل بالزراعة وهم يشغلون اشغالا أخرى كإعلاميين ومُصممّين فنيين وغيرهم.

عندما اتّخذ الأمن العام اللبناني قرار تنظيم الدخول، صنّف السوريين الى فئتين: المُسجّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغير المُسجّلين لدى المُفوضية. وألزم الفئتين دفع مبلغ 200 دولار أميركي لتجديد الإقامة على أن يُقدّم غير المُسجّلين لدى المفوضية تعهّد بالمسؤولية من قبل شخص لبناني. يقول تقرير هيومنرايتس أن أكثر من نصف السوريين الذين تمت مقابلتهم من المُسجّلين لدى المُفوّضية وعلى الرغم من تقديمهم الاوراق المطلوبة والرسوم، إلا أن الأمن العام اللبناني رفض تجديد إقامتهم من دون وجود كفيل.

الإشارة الى هذا الواقع يُعدّ ضروريا للقول أن مجموعة من الاجراءات والتدابير التي اتخذت بعد صحوة السلطات اللبنانية وسعيها، متأخّرةً، الى وقف اللجوء السوري، ساهم الى إرساء واقع استغلالي للسوريين، عمالا كانوا أم لاجئيين مُسجلين لدى مفوضية اللاجئيين.