الاخبار

الاردن : أطفال يبتلعون الانتهاكات بصمت في سوق العمل

2017-07-03

رانيا الصرايرة / عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

 

الاردن _على مقربة من سوق تجاري كبير، في أحد أحياء منطقة النصر، يجلس كرم على كرسيه المتحرك، وأمامه بسطة صغيرة، تناثرت عليها أكياس مغلقة تحوي أوراق ملوخية وسبانخ. هذا الطفل، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، لا ينادي على بضاعته، بل ينتظر بهدوء المارة، ويبقى على تلك الحال لمدة تتجاوز سبع ساعات يوميا.

وبات كرم معروفا بين سكان المنطقة، ولا تقتصر بضاعته على الملوخية والسبانخ، بل تتنوع حسب المواسم، فتارة يبيع الترمس، وأحيانا أخرى يعرض أنواعا من الحلويات المغلفة.

وفيما يوصل الأهالي أبناءهم إلى مدارسهم، توصله أمه إلى ذلك المكان، الذي يندر أن يغيره، نظرا لقربه من بيته.

ولم يبد كرم رغبة بالحديث معنا، لكن أمه التي جاءت لأخذه للمنزل قبل غروب الشمس، قالت: لم يكن أمامي خيار آخر، إذ كان من الصعب إبقاؤه في المدرسة الحكومية القريبة من بيتنا، لأنه يحتاج لعناية خاصة نظرا لإعاقته، وأقرب مركز لمن هم في مثل وضعه ليس قريبا، ويحتاج أن أدفع مبلغا من المال مقابل ذهابه وإيابه منه، ووضعي المالي لا يسمح بذلك.

ولا تجد والدة كرم مشكلة في خروج طفلها إلى سوق العمل، فمن وجهة نظرها، فإن هذا يبقيه مشغولا ويعمل شيئا مفيدا، فضلا عن المساعدة ولو بشكل متواضع في تأمين مصاريف البيت الكثيرة، حيث يعمل والده حارسا في إحدى الشركات، ولا يكاد دخله يكفي الأسرة لأكثر من عشرة أيام في الشهر، كما أنها لا تشعر بالقلق عليه، إذ تستطيع أن تراه من نافذة البيت.

ولا تعير والدة كرم أي اهتمام لمستقبل طفلها، فهي كما تقول: الله يتولانا ويتولاه.

وعندما سألناها عن تقديم المساعدة لطفلها من قبل الجهات المختصة بحالته، علقت: لم نلجأ لأي جهة إلا لأحد المراكز الذي نصحنتا به مرشدة عندما كان في المدرسة القريبة، وعندما ذهبنا إليه، تبين أننا يجب أن نخضع لمعاملات طويلة قبل قبوله، ما يعني أن هناك عوائق كبيرة أهمها تأمين مصاريفه في حال ذهابه إلى المركز.

ضبط قانوني

الواقع أن كرم ليس فقط طفلا متسربا من المدرسة، يعمل في القطاع غير المنظم، حيث إن التشريعات المحلية والدولية تمنع عمل الأطفال تحت سن السادسة عشرة، بل هو أيضا طفل ذو إعاقة يفترض أن تؤمن له رعاية وحماية مضاعفة.

وتنص المادة (73) من قانون العمل الأردني على: مراعاة الأحكام المتعلقة بالتدريب المهني، ولا يجوز تشغيل الحدث الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور، في حين يجيز القانون ذاته تشغيل من هم فوق السادسة عشرة ولكن في أعمال ليست خطرة أو مرهقة أو مضرة بالصحة.

وفي حالة الأطفال ذوي الإعاقة في سوق العمل، لا يبدو أن هناك تعليمات أو قوانين أو حتى دراسات تشير إلى أوضاعهم، رغم أن المتابعين لأوضاعهم، يشيرون إلى أن نسبة التسرب المدرسي بينهم عالية جدا، ولذا من المتوقع أن يكون جزءا منهم، قد انخرط في سوق العمل.

هذا الأمر يؤكده عضو مجلس الأعيان، الناشط في مجال حقوق ذوي الإعاقة الدكتور مهند العزة، حيث يقول: ملف ذوي الإعاقة بشكل عام لم يأخذ نصيبه من الاهتمام الكافي من مختلف الجهات، الأمر الذي ضاعف عددهم في سوق العمل.

وربما يعود تفسير هذا الأمر إلى أن القوانين والتشريعات لا تميز بين الأطفال الأصحاء ونظرائهم من ذوي الإعاقة، حيث يندرج ذوو الإعاقة ضمن عمالة الأطفال، إلا أن نشطاء في قطاع ذوي الإعاقة يطالبون بزيادة الاهتمام بالأطفال ذوي الإعاقة في قطاع العمل، نظرا لتضاعف المعاناة لديهم، إذ يكونون عرضة لانتهاكات عدة لحقوقهم من أقرانهم، على الرغم من تعرض كليهما لانتهاك حقوقه.

 

و فيما يتزايد عدد الأطفال العاملين في السوق الأردنية، متجاوزا 79 ألف طفل، بحسب أرقام منظمة العمل الدولية، مقارنة مع 44 ألفا العام 2007، يدعو خبراء إلى إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي عززت التفاوت الاجتماعي وأدت الى زيادة معدلات الفقر.

كما يدعو هؤلاء إلى ضرورة تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته تجاه اللاجئين السوريين، للحؤول دون اضطرارهم إلى دفع أطفالهم إلى سوق العمل، لمساعدة أسرهم في تغطية نفقاتهم الأساسية.

وأجرت منظمة العمل الدولية مسحا، مؤخرا، عبرت فيه عن قلقها جراء ارتفاع عدد الأطفال المجبرين على العمل في عمر 5-17 عاماً في ظروفٍ يُحتمل أن تكون خطرة، حيث بين المسح أن معظم الأطفال يعملون في تجارة الجملة والتجزئة، فضلاً عن الزراعة والحراجة وصيد السمك، ويعمل معظم الأطفال أكثر من 33 ساعةً أسبوعياً في المتوسط.

كما كشف المسح، الذي استند إلى عينة مكوَّنة من أكثر من 20 ألف أسرةٍ من شتى أرجاء المملكة، وأجري بهدف التوصل إلى تقديراتٍ في كلّ من المحافظات الأردنية الاثنتي عشرة، ومنها مخيم الزعتري عن تعرض الأطفال لعددٍ من المخاطر، كالغبار والدخان، بالإضافة إلى تعرضهم للإساءة الجسدية والنفسية.

وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال الذي يصادف اليوم، قالت ورقة صدرت أمس عن مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، إنه وبالرغم من النصوص الواضحة في التشريعات الأردنية التي تحظر تشغيل الأطفال الذي لم يكملوا سن 16 عاما، وعدم تشغيل الأطفال بين سن 16-18 عاما في الأعمال الخطرة، إلا أن الواقع أقوى من مختلف هذه التشريعات والسياسات.

وأضافت الورقة فأعداد الأطفال المنتشرين بكثرة في سوق العمل الأردني، والمؤشرات الإحصائية الجديدة، كفيلة بإعطاء صورة أكثر واقعية من المؤشرات الإحصائية الرسمية وغير الرسمية، التي يتم تداولها بين المعنيين من صناع السياسات والباحثين والمختصين والمؤسسات الرسمية والدولية.

فيما عزت ارتفاع معدلات عمالة الأطفال في الأردن إلى عدة أسباب، منها عوامل داخلية مرتبطة ببنية وطبيعة الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وأسباب خارجية مرتبطة بوجود مئات آلاف اللاجئين السوريين خلال الأعوام القليلة الماضية، حيث تفاقم التفاوت الاجتماعي وعدم المساواة، وضعف مؤشرات العدالة الاجتماعية.

وتابعت أن ضعف المؤشرات نجم بشكل أساسي عن تنفيذ سياسات اقتصادية لا تأخذ بعين الاعتبار النتائج والآثار الاجتماعية لهذه السياسات، والتي تركزت خلال العقود الماضية على تحرير الاقتصاد الوطني، والإمعان في تنفيذ سياسات مالية تقشفية متنوعة، ما أدى إلى تراجع المستويات المعيشة لقطاعات كبيرة من الأسر الأردنية، والتي برزت مؤشراتها بشكل واضح في ازدياد رقعة الفقراء.

وبينت أن المؤشرات الرسمية ذات العلاقة، تفيد أن نسبة الفقر في الأردن ارتفعت من 13.3 % العام 2008 إلى 14.4 % العام 2010، واقترابها من 20 % العام 2014، ناهيك عن ازدياد نسبة الفقراء العابرين الذين عاشوا الفقر ثلاثة أشهر على الأقل في السنة، وهم الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، التي تشير أرقام البنك الدولي الحديثة إلى أن نسبتهم تقارب 18.6% من المجتمع.

وقالت: للأسف لا توجد مؤشرات حديثة، توضح مستويات الفقر في الأردن، والأطفال العاملون عادة ما يكونون من أسرة فقيرة، وتضطر هذه الأسر إلى دفع أبنائها إلى سوق العمل، للمساهمة في توفير دخل للأسرة، و/أو غير قادرة على الاستمرار في الإنفاق على أطفالها في المدارس.

وبينت أن اللجوء السوري أدى إلى زيادة عمالة الأطفال في الأردن، حيث بلغت عمالة الأطفال السوريين نحو 11.1 ألفا، بنسبة 14.6 % من مجمل عمالة الأطفال، بسبب ضعف الخدمات الأساسية التي تقدمها المنظمات الدولية ذات العلاقة بإغاثة اللاجئين السوريين.

بدورها، قالت جمعية معهد تضامن النساء الأردنيتضامن، إن الحد من عمالة الأطفال تتطلب اتخاذ إجراءات عملية فعالة للتخفيف من نقاط الضعف الاقتصادية، باستخدام أدوات الحماية الاجتماعية، ومن خلال تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة والقوانين المحلية.