الاخبار

فى مصر قانون التأمين الصحى الجديد يضاعف الأعباء على العمال ويهدد مصير 800 الف من العاملين بالقطاع الصحى

2018-01-20

عادل زكريا - عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

مصر -على الرغم من معارضة العديد من النقابات العمالية والمهنية ومنظمات المجتمع المدنى فى مصر لمشروع قانون التأمين الصحى الشامل الذى تقدمت به الحكومة المصرية لمجلس النواب لإصداره ، إلا ان البرلمان المصرى وعلى عجل انهى مناقشة القانون دون الإلتفات لحجج المعترضين وقام بإصداره فى 18 ديمسبر الماضى  ، الأمر الذى دفع المعترضين وعلى راسهم نقابة الأطباء لمناشدة الرئيس السيسى بعدم التصديق على القانون وإعادته مرة اخرى الى مجلس النواب لإعادة المداولة على مواد الخلاف ..

حيث اثار القانون الذى انتظره المصريون وفى القلب منهم العمال أكثر من ثلاثة عشر عاما جدلا واسعا ، نظرا لأنه يضاعف الأعباء المالية على العمال لصالح رجال الأعمال ، كما أن الجدول الزمنى لتطبيق القانون الذى وضعته الحكومة يضعه تحت مقصلة عدم الدستورية ، فالحكومة تنوى تطبيق القانون  بشكل تدريجى على محافظات بعينها ، ما يعنى ان يدفع العامل الذى يقيم مثلا فى محافظة القاهرة إشتراكه الشهرى ولا يتمتع بالخدمة الا بعد عشر سنوات على الأقل حينما يبدأ تطبيق القانون فى محافظته !!كما أن الحكومة تحللت بذلك القانون من التزامها الدستورى بأن يبلغ الإنفاق على الصحة 3% على الأقل من الناتج القومى الإجمالى يتزايد تدريجيا حتى يبلغ النسبة العالمية (6%) وما زال حتى الآن يدور حول 2% فقط !!

أعباء تعجيزية على العمال

سعد شعبان رئيس اتحاد عمال مصر الديمقراطى ( المستقل ) ينتقد القانون مشيرا الى انه يلقى على كاھل العامل رسوم تعجیزیة ، من بین الأعباء التي ألقیت على كاھل العامل  فى القانونزیادة نسبة الاشتراكات بعد أن كان اشتراك العامل لا یزید على 1 %من راتبه الشھري، واشتراك صاحب العمل 3%  بالإضافة إلى 3% اشتراك إصابات العمل، تدفع ضمن التأمینات الاجتماعیة لكل طرف.. جاء القانون فى المادة رقم 40 لينص على ان اشتراك صاحب العمل اصبح4% فقط (3 %اشتراك و1 %فقط إصابات عمل)، بينما تضاعف اشتراك العامل حتى فاق اشتراك رب العمل ، حيث صار العامل  یدفع 1% اشتراك لنفسه ، 3% لزوجته إذا كانت لا تعمل، 1% لكل طفل ممن یعولھم،  إذن فالعامل الذى یعول أربع أطفال، یدفع 8 % ً من راتبه تحت بند اشتراك تأمین صحى،لتصبح مصربذلك الدولة الأولى والوحیدة عالمیا التى یبلغ اشتراك العامل في التأمین الصحي بها  ضعف اشتراك رب العمل، رغم أن العامل هو الطرف الأضعف اقتصادیًا في المعادلة ً ..

ولا یقتصر ما یدفعه العامل على الاشتراك( الكلام لشعبان ) حسبما ورد في القانون الجدید، ولكن یزید علیه أیضا من نسب المساھمات؛ أي نسبة من سعر كل خدمة یحصل علیھا، وتتوزع على 10% من سعر الأدویة، ومثلھا من سعر التحالیل والأشعات، بحد أقصى 750 جنیھا لكل منھا فى كل شھر وفى كل عیادة وعند كل زیارة، وإذا احتاج المواطن إلى الكشف فى عیادتین فى نفس  الشھر (عیون وقلب مثلا) فإنه مطالب بسداد حد أقصى 2250 جنیھا فى كل عیادة، أي نحو 4500 جنیها، وفى العملیات الجراحية داخل الأقسام الداخلیة والحجز بالمستشفى، یدفع 5 %من قیمة .الفاتورة بحد أقصى 350 جنیھا فى الزیارة الواحدة.. حتى أصحاب المعاشات وأغلبھم یقل معاشه عن 1000 جنیھا شھریا، مطالبین بدفع تلك المساھمات الباھظة، ولایعفى منھم سوى مرضى السرطان والأمراض المزمنة فقط !!.. اضافة الى ان القانون فى المادة رقم 5 نص على تشكيل تشكيل الهيئة العامة للتأمين الصحى الإجتماعى الشامل  بعضوية رئيس اتحاد النقابات العمالية ، وهو ما يعنى ان القانون ينظر الى ممثل العمال فى تشكيل الهيئة بأنه رئيس اتحاد عمال نقابات عمال مصر ( الإتحاد الحكومى ) كإتحاد وحيد ، متناسيا ان قانون النقابات الجديد قد اتاح انشاء اكثر من اتحاد عمال داخل مصر !!

لجنة التسعير وتعارض المصالح

بشكل عام يقول الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة انه في ظل القانون الجديد ستتحول مستشفيات التأمين الصحي إلى مستشفيات ربحية، وحسب نص القانون تحتوي هيئة التأمين الصحي على لجنة تسعير يشارك فيها القطاع الخاص المقدم للخدمة ليتم تحديد تسعيرة للقطاعين العام والخاص واحدة، القانون القديم لمنظومة التأمين الصحى والذى جاء هذا القانون بديلا له كان جيد جدًا ولكن مشكلتهكانت فى التنفيذ ،القانون الجديد فرض رسوم على الأطفال الذين هم ابناء العمال للدخول تحت مظلة التأمین الصحي مافیش دولة ً تطبق نظام تأمیني صحي اجتماعي تفرض رسوما على الأطفال، لأن التأمین علیھم لا یتعلق فقط بحقوق الإنسان أو حقوق الأطفال ولكنھا مسألة تتعلق بالتنمیة البشرية للأطفال والإنفاق علیھم حتى یخرجون إلى سوق العمل حتى سن الثامنة عشرة ، فطلبة المدارس صدر بشأنھم القانون رقم 99 لسنة 1992 الخاص بالتأمین الصحي على الطلاب ومن خلاله یمول نظام التأمین الصحي على الطلاب عبر اشتراكات سنویة یتحملھا الطالب عن كل مرحلة من المراحل الدراسیة ، ویتم تسدیدھا كل عام بواقع 4 جنیھات عن كل طفل منریاضالأطفال وكل طالب من طلاب التعلیم الأساسى والثانوى والمدارس الفنیة والتجریبیة والمعاھد الأزھریة ، أما بالنسبة للمدارس الخاصة فیتم دفع 10 %من قیمة المصروفات السنویة التعلیمیة عن كل طفل من ریاض الأطفال وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بحد أقصى خمسین جنیھا .. والاشتراكات التى تتحملھا الدولة من الخزانة العامة 12 جنیھا عن كل طالب فى ریاض الأطفال والمدارس المملوكة للدولة والخاصة، كما أن مساھمة الطالب فى ثمن الدواء خارج المستشفى تكون بنسبة الثلث عدا حالات الأمراض المزمنة التى تحدد بقرار من وزیر الصحة فیعطى الدواء مجانا للطلاب وكذلك الأجھزة التعویضیة وحصیلة الزیارات المنزلیة بما لایقل عن ثلاثة جنیھات ولا یجاوز خمسة جنیھات .. جاء القانون الجديد ليلغى ذلك ويحمل رب الأسرة بكافة اعباء علاج ابناءه ..

هذا وأرجعت الحكومة ضعف مستوى خدمة التأمین الصحي الحالى في مصر إلى نقص المیزانیة المخصصة للإنفاق الصحي ھذا العام، حیث یبلغ متوسط ما ینفق على المواطن المؤمن علیه حالیًا 111 جنیھا سنویًا، تتزاید في القانون الجدید إلى 1400 جنیه سنویًا من أجل تقدیم خدمة جیدة للمواطنین بزیادة تتجاوز 13 ضعفا..  أما السبب الحقیقى كما یراهمحدثنا فیھدف إلى تحویل كافة المستشفیات الحكومیة المملوكة للمصریین فى النظام التأمیني الجدید إلى مستشفیات ھادفة للربح تتاجر في مرضھم وتتربح في كل إجراء مثل المستشفیات الخاصة ً ، وانتقد خلیل لجنة تسعیر الخدمة الصحیة الواردة بالقانون والتي تحدد سعراً موحدا لشراء الخدمة من القطاعین الحكومي والخاص، وستضم مقدمي الخدمة فى القطاع الخاص (أصحاب المستشفیات الخاصة)، وخبراء التسعیر بالسوق، وعقّب على ذلك قائلا : الغریب ھنا أن أحدا لم یقف أمام ھذا التعارض فى المصالح لأصحاب القطاع الخاص، الذین یبیعون الخدمة بینما یشتركون أیضا فى تحدید سعرھا فیحددونھا بأعلى سعر ممكن ..

البدرى فرغلى رئيس اتحاد اصحاب المعاشات يقول : القانون الجديد يحول الطب من خدمة تؤدى بالتكلفة إلى سلعة محملة بالربح فى كل المستشفيات الحكومية والجامعية ، وذلك عن طريق أولا فصل التمويل عن الخدمة، وثانيا تشكيل لجنة تسعير فى هيئة التأمين الصحى الاجتماعى يشترك فيها ممثلو تقديم الخدمة فى القطاع الخاص وخبراء التسعير..  بينما فى الهيئات غير الربحية لا يوجد ما يسمى تسعير ولكن هناك حسابات تكاليف تحسب فى نهاية العام التكلفة الفعلية لكل عملية جراحية أو إجراء بحساب عدد المرضى وتعدد عناصرالصرف من مرتبات ومستلزمات وأدوية بالإضافة للتكاليف العامة للمكان والمرافق من كهرباء وخلافه والأعباء الإدارية.. فحساب سعر لتلك الخدمات وليس تكلفة يحولها إلى سعر محمل بالأرباح تشترى به الخدمة من القطاعين الخاص (الربحى) والحكومى الذى يصبح ربحيا بسعر واحد، فكان يجب توحيد هيكل الخدمات الصحية الحكومى فى هيكل تأمينى واحد ينص صراحة على أنه غير ربحى وفقا للمادة 18 من الدستور المصرى ..فالقانون بصيغته الحالية نكسة للصحة والفقراء فى مصر للعديد من الأسباب، أهمها أنه يطبق خلال 15 سنة، وهى فترة طويلة تميز بين المصريين على أساس سكنهم، ويرفع مشاركة المنتفع لتصل إلى 11% من دخله الشهرى، وهو ما يفوق قدرات الغالبية الساحقة من المصريين، ويعنى تخلى الدولة عن دورها وتحميل أولياء الأمور بالاشتراكات عن الأطفال دون السن المدرسية وطلبة المدارس بما يضع عراقيل أمام حصول أطفال الفقراء على حقهم فى الصحة والعلاج .. القانون ينحاز إلى القطاع الخاص على حساب القطاع الحكومى المجهول مصير وحداته والعاملين به إذا لم يستوفوا شروط الجودة وأصوله التى هى ملك للشعب المصرى، وتحميل المصريين بأعباء ضريبية جديدة لتمويل المشروع رغم أن النظام الإنجليزى يموَّل بالكامل من الضرائب العامة فقط ولا يسدد المنتفعون اشتراكات، وفى فرنسا وألمانيا يجمع بين الضرائب والاشتراكات، لكن القانون يحمِّل المصريين اشتراكات وضرائب إضافية ومساهمات يدفعونها عند طلب الخدمة، بما يحرم الملايين من حقهم فى الصحة.

مصير العاملون فى القطاع الصحى

الدكتورة منىمینا وكیل نقابة الأطباء المصرية أعلنت عن تقدم النقابة العامة للأطباء بخطاب إلى رئاسة الجمھوریة بخصوص المخالفات الواردة بالقانون الجدید مطالبة الرئيس السيسى بعدم التصديق على القانون ..ومشيرة الى أن الحقوق المالیة والوظیفیة التي حصل علیھا الأطباء بعد سنوات طویلة من الشد والجذب مع الدولة معرضة لأن تصبح في خبر كان، حیث ینص القانون الجدید على الحفاظ على درجته الوظیفیة فقط دون النظر إلى مزایاه المالیة (البدلات والحوافز) بصورة تھدد أوضاع العاملین في قطاعات الصحة، الذین یزید عددھم على 136 ألف طبیب من نحو 800 ألف من العاملین بقطاع الصحة ، وفي القانون الجدید تعد الحكومة بجودة الخدمة الصحیة عن طریق تشكیل ھیئة للرقابة والاعتماد فى المادة رقم 27 ، تتقاضى أجر من المستشفیات الحكومیة لكى تعطیھا شھادات الجودة، بدلا من رفع مستوى الجودة للمستشفیات العامة التي ھي مھمتھا الرئیسیة، ولیس حرمان المستشفیات بعد ثلاث سنوات من الجودة؛ لكى لا یكون ھناك حل لھا سوى خصخصتھا !!

من وجهة نظر نقابة الأطباء ( الكلام لمنى مينا )  فإن فلسفة القانون الجديد قائمة على الاعتماد على التعاقد مع المستشفيات، وهو ما يعني إعطاء فرصة أكبر للمستشفيات الخاصة على حساب المستشفيات الحكومية التي تعاني من تدهور واضح، الوضع الحالي هو أن الدولة تفرض شروطها على القطاع الخاص، مثل تحديد سعر العمليات مثلًا، ويوافق عليها بسبب أن هناك منافسة مع المستشفيات الحكومية، لكن في حال أصبح معظم من يقدم الخدمة من القطاع الخاص فهل سيوافق على الشروط  ؟؟ .. كما أن هناك عدد من الشركات متعددة الجنسية، بدأت تشتري مستشفيات خاصة بشكل كبير، وفي حال سيطرتها على المنظومة الصحية، سيشكل ذلك خطرًا كبيرًا..  اضافة الى ما نصت عليه المادة 11 من القانون حيث تم إقرار دخول المنشآت الطبية الحكومية للنظام عن طريق التعاقد، وهذا يفتح الباب أمام احتمالات الاستغناء عن بعض المستشفيات الحكومية التي تنخفض فيها معايير الجودة، ويؤدي إلى سيطرة القطاع الخاصعلى الخدمة الصحية فى مصر  ..