الاخبار

اليمن: سواد الحرب يحجب أدخنة المصانع الحرب يدمر سوق العمل

2016-12-03

اشرف الريفي، عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

 

اليمن_اغلق أحمد حمود ورشته الخاصة بأعمال الالمنيوم الواقعة في شارع الرباط بالعاصمة صنعاء مع بداية الحرب في اليمن نهاية مارس 2015م، واضطر لمغادرة العاصمة إلى قريته البعيدة في محافظة إب مثله كالآلاف من مالكي الورش الصناعية والفنية واصحاب المحال التجارية الذين سرحوا الالاف من العمال ايضا. وتأثر عشرة عمال بإغلاق أحمد لورشته التي كانت من أنشط ورش الالمنيوم في صنعاء ليصبحوا بين عشية وضحاها بلا عمل ولا دخل يعينهم على تسيير شئون حياتهم المعيشية. ظن أحمد ان الامر يتعلق بفترة قصيرة وتتوقف الحرب وتعود الامور إلى طبيعتها لكن لغة الرصاص ودوي الغارات بقت هي سيدة الموقف حتى اليوم ، ليتحمل اعباء ايجارات ورشته في ظل عدم توفر دخل يغطي متطلبات حياته ومعيشته.

بأسى ووجع تحدث أحمد حمود عن عجزه بعد خمسة شهور من التوقف عن مواجهة متطلبات الحياة بفعل توقف الاعمال والاشغال ، ما جعله يتحدى المخاطر ويعيد فتح ورشته من جديد بغية تنشيط عملها لمساعدته في أزمته لكن توقف سوق العمل جمد كل محاولاته لتجاوز الوضع الصعب الذي يشكو منه غالبية القطاعات التجارية والعمالية في صنعاء واليمن قاطبة. منذ ما يزيد عن عشرين عاما وأحمد يمتلك هذه الورشة التي تعيل أسرته وأسرتيي أثنين من اخوانه.. وتوقف عملها اليوم يعطل محرك إعاشة هذه الاسر وعشر اسر اخرى كان يعيلها عمال الورشة. لم يتوقف الامر هنا فحسب بل وصل حد استدانة الورشة لإيجارات العقار لتسعة اشهر كاملة ودخول أحمد وصاحب العقار في اشكالية لاتزال المحكمة تنظر فيها. حال أحمد هو تعبير مقارب لوضع القطاع التجاري والاقتصادي ولوضع القطاع العمالي في اليمن ، حيث كشف تقرير اقتصادي حديث عن اغلاق شركة من كل اربع شركات ،كما تم تسريح 70% من العمالة من اعمالهم .

وشملت الآثار الاقتصادية للحرب جميع القطاعات الاقتصادية في البلد، فهناك قطاعات اقتصادية توقَّفت بشكل كُلي وأخرى تقلَّص نشاطها نتيجة لتحمل القطاع الخاص لأعباء إضافية تهدد استمرارية نشاطه؛ الأمر الذي أدَّى إلى فقدان مئات الآلاف لوظائفهم ومصادر دخلهم، إضافة إلى أن الاقتصاد اليمني يواجه حاليًا تحديات متمثلة في عجز موازنة الدولة الناتج عن الانخفاض الكبير في الإيرادات وتسخير بعض أطراف الصراع لموارد الدولة لأغراض عسكرية. إضافة إلى ذلك، فإن هذا العجز يأتي مقرونًا بانخفاض هائل في الاحتياطي النقدي للبلد من العملة الأجنبية وما يترتب عليه من مخاطر حسب تقديرات البنك الدولي.

مليون و خمسمائة ألف عامل بلا عمل

بلغة الارقام يوضح تقرير صادر عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي توقف 800 شركة مقاولات كانت تعمل في اليمن في القطاع المنظم بسبب توقف البرنامج الاستثماري العام للدولة منذ عام 2015, إضافة إلى القطاع غير المنظم و الذي يصل العاملين في كلا القطاعين إلى ما يقارب مليون و خمسمائة ألف عامل. لم تقتصر المشكلة على قطاع البناء و التشييد فقط بل تعداه إلى أكثر من عشرين مهنة تجارية أخرى منها : قطاع الكهرباء والاسمنت والبلاط والرخام والسباكة والتسليح وغيرها من القطاعات التجارية التي تعتمد على قطاع البناء والتشييد بالإضافة إلى العمالة المتخصصة في هذه المجالات حسب التقرير. وما صار واضحا ان استمرار الحرب الجارية في اليمن منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م وما تلاها من دمار شمل معظم المحافظات ساهمت في تعميق مأساة هذا القطاع. ابرزت المؤشرات السلبية عناوين عريضة لواقع المنشئات الصناعية والتجارية في البلد، حيث كشف التقرير عن تعرض عدد من المنشئات الصناعية والتجارية للاستهداف أثناء الحرب سواء من خلال القصف الجوي من قبل قوات التحالف العربي او الاستهداف المباشر من قبل مسلحي جماعة الحوثي والقوات الموالية للرئيس السابق على صالح . ومنذ مطلع العام حتى شهر مارس تم استهداف 31 مصنعا و شركة ومستشفى تركزت في محافظات صنعاء و الحديدة و تعز .

وحسب التقرير فقد تنوعت المشاريع المستهدفة ما بين مصانع للمواد الغذائية و مصانع للاسفنج و البلاستيك و مصانع للبطاريات ومصانع مواد بناء ومستشفيات خاصة. وما لم يكن في الحسبان ان يتحول القطاع الصناعي والتجاري إلى قطاع مفلس وفقا للغرفة التجارية و الصناعية بأمانة العاصمة التي قدرت خسائر القطاع الخاص جراء الاستهداف بالقصف منذ بدء الحرب في اليمن بما يزيد عن 39 مليار دولار.

وأوضحت الغرفة التجارية في احصاءات منشورة أن 196 مصنعا ومنشأة صناعية وتجارية، خسائرها الاولية المقدرة 39 مليار دولار، وذلك منذ بدء الحرب اواخر مارس 2015 وحتى نهاية يناير الماضي، فضلا عن استهداف 7 من صوامع الغلال و546 مخزنا للأغذية و365 من الأسواق التجارية الشعبية و123 منشأة سياحية وفندقية و240 محطة للوقود والغاز بالإضافة الى عدد من الشبكات الخاصة بالاتصالات. هذه الصورة القاتمة والاوضاع المأساوية شملت ايضا القطاع الدوائي في اليمن حيث تشير الاحصائيات إلى تراجع إنتاج مصانع الأدوية المحلية من تلبية 15% من إحتياجات السوق المحلية إلى 5 % من إحتياجات السوق لأسباب عدة منها انعدام المشتقات النفطية، وانقطاع الكهرباء والحصار الجوي والبري والبحري المفروض على اليمن، والاستهداف الجوي المباشر للمنشآت الصناعية.

من معاول بناء إلى ادوات خراب

حالة الجمود والخسران التي سيطرت على سوق العمل والقطاعات الصناعية والتجارية دفعت بقرابة المليون والنصف من العمال إلى سوق البطالة الامر الذي انعكس سلبا في حياة الناس واجبر البعض على التخندق في متارس المتحاربين بحثا عن مصدر دخل اخر لكنه هذا المرة بلون الدم وبرائحة الموت . كم هي الحرب لعينة وقذرة حين تحول من كانوا يحملون معاول البناء والتطور إلى حاملي ادوات الموت والخراب.. هذا ما قاله مروان محمد وهو يتحدث عن زملاء له شاركوا في الحرب بغية مساعدة اسرهم في مواجهة متطلبات الحياة لكنهم عادوا محمولين على التوابيت جثث هامدة خلفت وراءها قصص ماسأوية لأسر فقدت من كان يعيلها ويمثل لها ضوء في عتمة الحياة.